عبد الوهاب الشعراني
22
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
وقالوا : من لم يحصل له من الذكر حال الثّوى ، وحضور مع اللّه ، فليس له قطع المجلس ، لأن من لم يحضر ، فكأنه لم يذكر . وقالوا : الذكر سيف المريدين به يقاتلون أعداءهم من الجن والإنس وبه يدفعون الآفات التي تطرقهم . وقالوا : إن البلاء إذا نزل بقوم وفيهم ذكر حاد عنهم البلاء ، وكان ذو النون المصري يقول : « من ذكر اللّه تعالى حفظه اللّه من كل شيء » وكان الكتاني يقول : « من شرط الذكر أن يصحبه الإجلال للّه والتعظيم له وإلا لم يفلح صاحبه في مقامات الرجال » وكان يقول : « واللّه لولا أنه تعالى فرض عليّ ذكره لما تجرأت أن أذكره إجلالا له ، مثلي مثل من يذكر الحق تعالى ولم يغسل فمه بألف توبة مما سواه قبل ذكره » . وأجمعوا على أن الذكر إذا تمكن من القلب ، صار الشيطان يصرع إذا دنا من الذاكر كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان ، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون : ما باله ؟ فيقال : إنه دنا من ذاكر فصرع . وقد عد الأشياخ للذكر ألف أدب ، ثم قالوا : « ويجمع هذه الآداب كلها عشرون أدبا من لم يتحقق بها فبعيد عليه الفتح ، خمسة منها سابقة على الذكر ، واثنا عشر حال الذكر ، وثلاثة بعد الفراغ من الذكر . فأما الخمسة السابقة ، فأولها التوبة النصوح ، وهي أن يتوب من كل ما لا يعنيه من قول أو فعل أو إرادة ، وكان ذو النون المصري يقول : « من ادعى التوبة وهو يميل إلى شهوة من شهوات الدنيا فهو كاذب » . الثاني : الغسل أو الوضوء كلما أراد الذكر ، وتعطير ثيابه وفمه بالبخور والماورد . الثالث : السكون والسكوت ليحصل له الصدق في الذكر ، وذلك أن يشغل قلبه باللّه اللّه اللّه ، بالفكر دون اللفظ ، حتى لا يبقى خاطر مع اللّه اللّه ، ثم يوافق اللسان القلب ، بقول « لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » يفعل ذلك كلما أراد الذكر . الرابع : أن يستمد عند شروعه في الذكر بهمة شيخه ، بأن يشخصه بين عينيه ويستمد من همته ، ليكون رفيقه في السير . الخامس : أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده حقيقة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه واسطة بينه وبينه . والاثنا عشر التي تكون حال الذكر : فالأول : الجلوس على مكان طاهر كجلوسه في الصلاة في التشهد الأول .